محمد بن شاكر الكتبي

380

فوات الوفيات والذيل عليها

وكان السلطان إذا أراد أن يعمل سوّ ويراه قد أقبل يقول : جاء القاضي وما يدعنا نعمل ما نريد ، فيحدثه في إبطال ما كان همّ به من الشر ، ومدة حياته لم يقع من السلطان إلا خير . وأما مكارمه فإليها المنتهى ، قيل إنه حضرت إليه امرأة رفعت قصة تطلب منه إزارا ، فوقع لها بثمانمائة درهم ، فلما رأى الصير في القصة أنكر ذلك ، وحضر إليه ، وقال : يا سيدي هذه سألت إزارا ، والإزار ما ثمنه هذا المبلغ ، فقال : صدقت ، وأخذ القصة وقال : هذه متاع اللّه ، وزادها ثمانين درهم وقال : ما أردت إلا ثمانين ولكن اللّه أراد الثمانمائة ، فوزن الصيرفي للمرأة ثمان مائة وثمانين . وقيل إنه كان له صير في يستدعي منه ما يصرفه لمن سأله شيئا ، وإن الصيرفي أحضر له مرة وصولات عديدة ليست بخطه فأنكرها ، فقال الصيرفي : هذا في كل وقت يحضر مثل هذه الوصولات ، فقال : إذا حضر فأمسكه وأحضره ، فلما جاء أمسكه وأحضره إلى بابه ، فقيل له إن الصيرفي وقع بالمزوّر ، فقال : سيّبوه مالي وجه أراه ، ثم قال : عليّ به ، فلما حضر بين يديه قال له : ما حملك على هذا ؟ قال : الحاجة ، قال له : كلما احتجت إلى شي اكتب به خطك على عادتك لهذا الصيرفي ، وارفق فإن علينا كلفا كثيرة ، وقال للصيرفي : كلما جاء إليك خطه شيئا فاصرفه إليه . وقيل إنه قبل إمساكه ضيع بعض بابية « 1 » مماليك بكتمر الساقي حياصة ذهب ، فقال صاحبها للأمير ، فقال الأمير : إن لم يحضر الحياصة وإلا روحوا به إلى الوالي ليقطع يده ، فنزلوا بذلك البابا . فوجد القاضي كريم الدين آخر النهار طالع إلى القلعة ، فوقف له وشكا إليه حاله ، فقال : أخروا أمره إلى غد ، ولما نزل إلى داره قال لعبده : خذ معك غدا حياصة ذهب لتعطيها لذلك البابا المسكين ، فلما

--> ( 1 ) البابية : جماعة العمال في الطشت‌خاناه الذين يقومون بغسل الملابس وصقلها ( صبح الأعشى 5 : 470 ) .